فخر الدين الرازي

250

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الصدق ، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد ، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلا محضا وسفها صرفا ، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال . المسألة الثانية : قال الزجاج : يقال هديت إلى الحق ، وهديت للحق بمعنى واحد ، واللَّه تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله : قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ . المسألة الثالثة : في قوله : أَمَّنْ لا يَهِدِّي ست قراءات : الأول : قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء . الثانية : قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في يَخِصِّمُونَ [ يس : 49 ] قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختيارا للتخفيف ، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع . الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين ، والجزم يحرك بالكسر . الخامسة : قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ ( نستعين ونعبد ) السادسة : قرأ حمزة والكسائي يهدي ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول : يهدي ، بمعنى يهتدي يقال : هديته فهدى أي اهتدى . المسألة الرابعة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله : أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى لا يليق بها . والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ هو الأصنام . والمراد من قوله : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها والدليل عليه قوله سبحانه : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] والمراد أن اللَّه سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية . وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم اللَّه تعالى ، فكان التمسك بدين اللَّه تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال . الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى أنه تعالى قال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [ الأعراف : 194 ] مع أنها جمادات وقال : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ [ فاطر : 14 ] فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا هاهنا وصفهم اللَّه تعالى بصفة من يعقل ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي ، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية عندنا ليست شرطا / لصحة الحياة والعقل ، فتلك الأصنام حال كونها خشبا وحجرا قابلة للحياة والعقل ، وعلى هذا التقدير فيصح من اللَّه تعالى أن يجعلها حية عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير . الخامس : أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال : هديت المرأة